ثلاثة طرق لخلق ثقافة عمل فعّالة تبرز أفضل ما لدى الموظفين

ترجمة: نعيمة الرسن

تدقيق: تهاني رمّاني

مدة القراءة: 6 دقائق

هل تتذكر ذلك اليوم من شهر نوفمبر في عام 2018 عندما أضرب 20,000 موظف من شركة Google عن العمل احتجاجاً على طريقة التعامل مع ادعاءات التحرش الجنسي في مكان العمل؟

 

كانت مسيرة الاحتجاج درامية بحيث تصدرت عناوين الأخبار، وليس هذا فحسب؛ بل كان من الواضح جداً أن الموظفين قد تخلوا عن مناصبهم في الشركة ولن يعودوا إليها. على الرغم من شجاعة موظفي شركة Google في ذلك اليوم، إلا إنهم شعروا بالأمان الكافي لتنظيم هذا الاحتجاج دون الخوف من ردة الفعل والعواقب السلبية له. وفي حال فقدوا وظائفهم سيظلون مؤهلين للتوظيف وشغل مناصب في شركات ومؤسسات أخرى. في الحقيقة، لا يمتلك الجميع هذه الرفاهية، ولا يشعر كل موظف بالرضا حيال التعبير عن آرائه بحرية وعلانية في مكان العمل.

 

"عندما نشعر بعدم الأمان النفسي أو عدم التقدير، فإننا نحتج بهدوءٍ وغالبًا دون وعي."

 

بطبيعة الحال، لا تخلو بيئة العمل من النزاعات واختلاف الآراء ووجهات النظر، ولكن عادة لا تنتهي هذه النزاعات والاختلافات بالإضراب عن العمل أو الاستقالة مباشرة، بل تتم بطريقة انسحاب موارِب وغير مباشر يتجسد في ردود أفعال الموظفين واستجابتهم وطريقة تعاملهم مع الآخرين.

 

ولكن، لنكن صادقين، لقد قمنا جميعاً بالانسحاب في مرحلة ما خلال حياتنا المهنية، أليس كذلك؟

 

حينما نشعر بعدم الأمان النفسي أو عدم التقدير، فإننا غالباً نحتج بهدوء ودون وعي. قد نتوقف عن محاولة العمل بجدية أو نتصرف بطرق من شأنها أن تضعف القيادة أو أنها تعمل ضد أهداف المنظمة قليلاً؛ وبالتالي نصبح منعزلين وغير منتمين لفريق العمل. كل هذا يتسبب في خسارة مئات المليارات من الدولارات سنوياً للاقتصاد العالمي. لذلك، إذا كنت قائدًا وتطمح إلى بيئة عمل مثالية ومستقرة وخالية من الإضراب والنزاعات العمالية؛ فهناك ثلاثة أشياء يمكنك مراعاتها.

 

  • اجعل التواصل متاحاً للجميع

يحدث الإضراب عن العمل عندما نشعر بأننا مهمشين ووجودنا في المكان كعدمه، فلا تُسمع أصواتنا ولا تُقدر أعمالنا وغالباً تكون أفكارنا معرضة للرفض أو التجاهل. فعندما يحدث ذلك، نميل إلى الإضراب أو الانسحاب كتهديد للهوية. البعض منا يستجيب لهذا التهديد من خلال أغلاق دائرة التواصل لديه وعزل نفسه عن الآخرين خصوصاً عندما يشعر بأنه لا ينتمي لمكان عمله وأن وجوده غير مهم. لذا يتوقف عن الاهتمام بعمله والناس من حوله.

تذكرت عندما صادفني نفس الموقف حينما شغلت منصب المدير في إحدى المؤسسات. ذات مرة طلبت من زميلة لها باع طويل في مجال العمل أن تقدم لي توصية بشأن حل مشكلة أحضرتها إلي في وقت سابق. وبينما كانت تبحث عن الإجابة، وقفنا بصمت. وبعد مدة، نظرت إلي وقالت: "لم يسألني أحدٌ قط عما أفكر فيه في العمل". كان موقفها مأساوياً، وهو شائع جداً.

ولتلافي هذه العقبة، نحتاج إلى دعوة الأشخاص للتحدث بصوت عال في العمل باستمرار ولتكن تلك الدعوات جزءاً روتينيًا من كيفية تفاعلنا مع بعضنا البعض في مكان العمل. وذلك من شأنه أن يضع الأساس المهم للأوقات التي يريد فيها الموظفين التحدث عن قضايا قد يصعب على الإدارة سماعها.

 

"في تلك اللحظة الهشة عندما يكون لدى الموظفين الشجاعة لتحدينا، يتعين علينا كقادة احتضانهم والتجاوب معهم."

 

  • كن متجاوباً

في عام 2018 كانت شركة Google في مأزق بسبب حجم وكثافة الاحتجاجات التي توالت عليها من جميع الجهات، ولكن كان لدى الرئيس التنفيذي للشركة سوندار بيتشاي خيارين، إما الرد بطريقة تغلق الباب أمام الأشخاص الذين يتصرفون وفقًا لقيمهم، أو فتح الباب على مصراعيه.

بشكل عام لم يكن رده دفاعيًا. حيث قام بإرسال بريدًا إلكترونيًا إلى جميع الموظفين في الشركة، مشيراً إلى أنه يستطيع أن يتفهم الغضب وخيبة الأمل التي شعر بها الكثير منهم لأنه شعر بذلك أيضًا، كما ذكر أيضاً أنه ملتزم التزاماً تامًا بإحراز تقدم في قضيةٍ طال أمدها في المجتمع وفي Google أيضاً. كان رد بيشاي العام مثيرًا للإعجاب، ولكن السؤال الذي لا يزال يحتاج إلى إجابة هو هل مازالت الاحتجاجات سارية إلى الآن أم لا؟

يعتبر انسحاب الموظف غير المباشر أصعب بكثير من ملاحظة إضراب وخروج 20,000 شخص من العمل. في هذه الحالة بدلاً من العمل بشكل استباقي لتحرير المنظمة، يتعين على القادة طرح الأسئلة، وتقديم المساهمات، وتعزيز مفهوم الصراع البنّاء. في تلك اللحظة الهشة عندما يكون لدى الموظفين الشجاعة لتحدينا، يتعين علينا نحن كقادة أن نحتضنهم ونتجاوب معهم. لأن الاستماع لهم فقط لا يكفي فالكلمات بدون فعل تولد السخرية وتترك بذوراً للإضراب والانسحاب من العمل في المستقبل.

والآن عندما يصبح كلاً من القادة والموظفين على وفاق تام، فمن الطبيعي أن الخطوة المقبلة هي الأفعال.

 

"هل يمكننا البقاء متحدين في حال تعارضت آرائنا؟ أم سنسمح لعلاقاتنا بأن تصبح مزيفة وهوياتنا تتلاشى؟"

 

إليك الأمر المهم: لن نتفق دائمًا. في بعض الأحيان يثير الموظفين النشطاء قضايا لا يتفق معها القادة، وفي تلك اللحظة الهشة سنحدد نوع الثقافة التي سنمتلكها. هل سنشارك في الحوار والنقاش؟ هل يمكننا البقاء متحدين في حال اختلفت آرائنا؟ أم سنتجاهل اختلافاتنا، ونسمح لهوياتنا بأن تتلاشى وتصبح علاقاتنا مصطنعة وغير حقيقة؟ فأيهم سيكون؟

كأدنى تقدير، يمكننا أن نسمح بالتحاور، وحل الخلافات وإيجاد حل وسط ليس بالضرورة أن يكون مثالي، ولكن يتفق عليه جميع الأطراف. في بعض الأحيان، من الصعب جداً إيجاد الحلول المرضية للجميع، لذلك لدينا ثلاث خيارات.

أولاً: إذا لم تستطع التعايش مع القرار المطروح، يمكنك ترك الشركة والبحث عن أرباب عمل تتماشى قيمك مع قيمهم.

ثانيا: يمكنك البقاء في الشركة والفصل بين الأمور، بين المواصلة في القيام بعمل جيد و بين البحث عن وقت لمعالجة المشكلة مرة أخرى في المستقبل.

 ثالثًا: يمكنك التفكير في تكتيك من جيف بيزوس (المدير التنفيذي لشركة أمازون). يقول: "دعنا نختلف ونتطرق إلى الموضوع بشكل مباشر." سيسأل فريقه: "انظر، أعلم بأننا لا نتفق لكن هل ستراهن معي على ذلك؟ هل يمكن أن نختلف بوجهات النظر ونستمر معاً؟" الآن ليس بإمكانك فعل ذلك في كل مرة. لكن إذ كان رصيد الثقة بينكم عالي جداً يمكنك بكل احترام أن تعترف باختلافاتك حول القضايا المهمة التي لا يمكن الموافقة عليها بالإجماع. هنا أنت لم تُضرب عن العمل ولم تنسحب منه. بل وافقت على المواصلة بالعمل والبحث عن حل للمشكلة كلما مضيت قدماً.

بغض النظر عن الخيار الذي تختاره، فإن أيًا منها أفضل من مغادرة مكان العمل؛ لإنه الطريق الأكيد إلى الزوال التنظيمي والبؤس المهني.

 

"عندما يتمكن الجميع من تقديم ما لديهم من تجارب وخبرات في الحياة الواقعية، حينها سنقدم الكثير لبعضنا البعض."

 

  • ارتقِ للأفضل

ألا يبدو وكأننا نضع معايير وتوقعات منخفضة جداً عند محاولة تجنب النزاعات العمالية والامتناع عن العمل؟ ألا ينبغي أن نسعى للمزيد؟ ألا يجب أن نطمح إلى إنشاء بيئة يشعر فيها الموظفين بأنهم قادرين على إحضار ذواتهم الأصلية إلى العمل وتحفيزهم على تشغيل كيانهم العقلي والجسدي والروحي بالكامل وبشكل طبيعي دون الخوف من كبح وكبت أي سلوك ولا داعي للتخلي عن أي شيء خارج مكان العمل.

عندما يتمكن الجميع من تقديم ما لديهم من تجارب وخبرات في الحياة الواقعية، فسيصبح لدينا الكثير لتقديمه لبعضنا البعض. نحن أكثر من مجرد سيرً ذاتية.

تعمل جوان بوهان كمديرة مالية لشركة ديزني، فرع أوروبا. هي أم ولديها ابن اسمه رومان يعاني من عُسر القراءة والفهم. هل تعلم بأن 1 من 10 أشخاص يتعايشون مع عسر القراءة والفهم؟ وبالنسبة لشركة عريقة مثل ديزني يعتبر هذا العدد السكاني كبيرٌ جداً. لذا تقدمت جوان بطلب عمل عندما أعلنت ديزني عن مسابقة داخلية تهدف إلى تقديم أفكار جديدة ومبتكرة لمشروع تجاري جديد. وسمعت أيضاً عن التعديلات التي تجعل عملية القراءة والفهم أسهل للأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب، مثل الخطوط الكبيرة والمختلفة والمسافات الواسعة بين الأحرف والسطور. وأخيراً وضعت شركة ديزني فكرة جوان قيد التنفيذ. ولأن ديزني طلبت من جوان أن تضع كل نقاط قوتها الفريدة وقيمها وعواطفها وخبراتها في هذا العمل. الآن يمكن لشركة ديزني خدمة ملايين الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة بشكل أفضل.

إذا أزلت الحواجز عن عملية التواصل وأصبحت متجاوبا مع من حولك وطمحت إلى الأفضل، فكل هذا سيبدو جيداً في نظرك كقائد؛ ولكن من أين يجب أن تبدأ؟

 

" يقول دائماً آري وينزويج الرئيس التنفيذي لشركة Zingerman's Deli إن النجاح لا يعني أنه ليس لديك مشاكل، بل لديك مشاكل أكثر أهمية"

 

إليك الطريقة السريعة لمعرفة الأمر.

في صباح يوم الاثنين، أود أن تذهب إلى العمل، وتتحدث إلى 10 أشخاص مختلفين إما شخصيًا أو عبر الإنترنت واسألهم هذا السؤال: "ما الذي يجب أن نتحدث عنه الآن ولم يسبق لنا التحدث عنه قط؟".

من الممكن أن تواجه واحدة من حالات الصمت المحرجة، ولا بأس بذلك. لربما يأتوا إليك لاحقًا بإجابة. ولكن إذا لم يكن لدى أي شخص أي إجابة، فمن المحتمل أن تكون كل سبل التواصل في مكان عملك محجوبة. ومع ذلك، من خلال طرحك لهذا السؤال، تكون قد أشرت إلى انفتاح جديد يهدف إلى الاستمرار في طرح الأسئلة.

دائماً ما يقول آري وينزويج الرئيس التنفيذي لشركة Zingerman's Deli إن النجاح لا يعني بأنك لا تواجه بعض المشاكل، بل إن لديك مشاكل أكثر أهمية. لذا أمنيتي الأخيرة لك هي أن تكسب منظمتك بعض المشاكل المهمة عن طريق إزالة الحواجز عن عملية التواصل بين موظفيها وأن تحتضنهم وتتجاوب معهم بطريقة فعالة وسريعة وأن تطمح دائماً للأفضل.

كلما انفتح المزيد والمزيد من الموظفين على بعضهم البعض وبدأوا في مشاركة معلوماتهم عن أنفسهم وأفكارهم وعروضهم الفريدة، فإنه بمرور الوقت ستواجه مشاكل جديدة أكثر أهمية، وهنا يأتي دورك كقائد جيد وهو تسخير كل طاقاتهم وإبداعاتهم لصالح المنظمة.

 

المصدر:
https://bit.ly/3E6bhGM

 

انسخ الرابط
أضف تعليق تعليقات الزوار ( 0 )